الرئيسية / الفعاليات العلمية / مقالات / مشكلات شباب العراق و تحديات واقعهم/ الأستاذ المساعد الدكتور رائد عبيس

مشكلات شباب العراق و تحديات واقعهم/ الأستاذ المساعد الدكتور رائد عبيس

اختلفت الدراسات العلمية في تقييم مرحلة الشاب وتحديدها, وذلك تبعاً لموضوعها, فهناك دراسات اقتصادية تذهب إلى إن العمر المناسب لهذا النشاط يبدأ من 18 الى 25 أو يزيد , بينما في الحقل السياسي اختلفت بعض قوانين البلدان في تحديد عمر هذا النشاط, فالعراق مثلاً قرر ان يكون 25 سنة فما فوق, بينما في النشاط الرياضي غالباً ما تحدد بدايته ونهايته بعمر الاحتراف وهو بين الثلاثين والأربعين, أما في النشاط التطوعي, فهناك أيضا تحديد مستوى عمري يقيم على أساسه عمر الشريحة الشابة التي تناسب هذا العمر, مثلاً من عمر المراهقة الى 25 سنة, وهكذا بقيت المجالات الأخرى التي تحدد عمراً معيناً لنشاطاتها.

فالقوانين المدنية والدولية حكمت في الغالب شباب العالم, في ممارسة كثير من الأنشطة , سواء ما كان منها محلي أو دولي , والفئة العمرية الشابة في العراق قد شملها هذا الأمر وصار إلزام قانوني بذلك, بكون القانون حدد سن البلوغ بعمر 18 سنة , وهو العمر الذي يتيح للشاب كثير من الحرية في العمل, والسفر, ومزاولة كثير من أنشطته.

مر شباب العراق في تحديات كثيرة, امتدت منذ تأسيس دولتهم المدنية في 1920 وإلى اليوم ونحن نقترب من قرن كامل على هذه التحديات , تمثلت هذه التحديات بالانقلابات , والاضطرابات السياسية , والصراعات الداخلية, والتوتر بين مكوناته, والحروب الخارجية , و الحصار, ومرحلة السقوط, والتغيير السياسي الذي تبعه بنظام ديمقراطي تعددي, ومرحلة الاضطرابات التي أتت بعد التغيير, وصدمته بالنسبة لكثير من الشعب , والصراع  والأقتال الطائفي, وما رافقه من تفجيرات وارباك للمشهد السياسي, وبعدها مرحلة دخول القاعدة وهزيمتها, وبعدها مرحلة دخول داعش والقضاء عليه.

مخلفات ما ذكرنا من مراحل عصيبة مر بها الشعب العراقي , كان نصيب شبابنا منها كبير, ومازالوا يُعانون من تلك التبعات إلى اليوم, كأن تكون بضياع ثروة أو بفقدان أب أو أخ أو أم أو أبناء أو زوج, هذا على مستوى الخسارة الشخصية, أما الخسارة بالمعنى الأوسع, فقد خسر كل شباب العراق بعضهم البعض, وخَسرهم البلد و كفاءتهم وقدرتهم وخيرهم, وإن كانت هذه الخسارة مستمرة , ولكن ربما بشيء أقل من ذي قبل.

ما تم ذكره آنفاً يمثل قضايا كبرى, مرتبطة بشموليات أيديولوجية ونسقيات سياسية, عانى منها شبابنا بمعاناة مستمرة إلى اليوم, ولكن ما زاد على تلك المعاناة والتحديات, هي معاناة الانفتاح الذي حصل بعد التغيير, وفقدان الدولة لجزء كبير من سيطرتها على حل مشكلات كبيرة بل وتغاضيها, كان سبب بوجود هذه المعاناة الجديدة, ولعل أبرزها المخدرات , البطالة, الاعتقادات الدينية الراديكالية, كثرة العنوسة , و الأرامل , و حالات الطلاق, و الأيتام, ومشاكل الأنترنيت وجرائمه , ومشاكل التواصل الاجتماعي, ومشاكل السفر, وفتح الحدود, والتجارة الحرة, وكثرة السلاح في الشارع , والصراعات القبلية والعشائرية , وتفاقمها بعد ضعف قانون الدولة, وغياب الخدمات, وكثرة الفساد في مؤسسات الدولة, وضعف المنظومة التعليمية, والصحية, فضلاً عن فساد وعدم جدية بعض منظمات المجتمع المدني التي تدعي الخدمة للمجتمع, وغيرها من الأمور الأكثر سوء في الوسط العراقي سياسياً ومجتمعياً كحالة عامة في البلد.

مقالنا هذا يسلط الضوء على جزء من مفاهيم هذه التحديات الخطيرة التي تواجه شبابنا, بكونها تحديات كبيرة تعيق كثير من طموحهم في البناء, والتطور, والتفاعل مع مستجدات الحياة, ومتطلباتها التنموية بهدف بناء البلد أو بناء الذات أو المجتمع.

ومن هذه التحديات إشكالية الشباب والتفاعل مع الأسرة, بوصفها تظهر إشكالية صراع الأجيال بين الشباب وأسرهم, لا سيما وهما يعيشان أحوال مرحلية مختلفة وثقافات منفتحة , والتحدي الآخر هو الشباب وجدلية القبيلة والدولة , وهي مشكلة توازي الأولى من حيث الأهمية؛ لأنها تنتج وعي الشاب في قراءته لواقعه الاجتماعي والسياسي الذي يضع على أساسه مستقبله بين رؤى الاستقرار أو عدمه, والتحدي الثالث يتمثل في إشكالية بعض منظمات المجتمع المدني واستغلالها للشباب, أو استثمار طاقاتهم بشكل مرضٍ ووطني, بعيداً عن حسابات سياسية. فالعوامل السلبية للتحديات الثلاثة أنتجت لنا إشكالية جديدة وسعت من عزلة الشباب في محيطهم الاجتماعي وسبب لهم التهميش والإقصاء والاستبعاد والفقر بوصفه معيق للاندماج الاجتماعي.

هذه التحديات تمثل إشكالية, يجب أن تكون جزء من الاهتمام العام للحكومة أو الاهتمام الخاص من قبل دوائر التفكير, والجامعات, والكليات, بدراستها بدراسات تطبيقية, نتوخى بها دقة تشخيص ومعالجة للواقع , إذ نسعى من خلالها تشخيص مكامن الخلل في إدارة الدولة لقدرة الشباب على التغيير, وصناعة الحياة, وتحقيق طموحهم, وتسخير طاقاتهم البدنية والعقلية والعلمية, في تعزيز عوامل الاستقرار والازدهار والخدمة لهذا البلد, للانتقال من واقعهم العقيم إلى الواقع المنتج , ومن الولادة المشوهة لمفاهيم المواطنة وحقوقها, إلى الولادة السليمة لمفهوم الانتماء لوطنهم وحقهم به وعليه.

شاهد أيضاً

تساؤلات في فلسفة القيم / الأستاذ المساعد الدكتور رائد عبيس

ما مصادر القيم؟ عندما نسأل عن مصادر القيم , نجد أنها تستند إلى ثلاثية هي: …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *