الزي الموحد هوية الطالب الجامعي

  

 بقلم : أ.د. عقيل عبد الزهرة مبدر    عميد الكلية 

كنّا لا نرى طلبة الجامعات والمعاهد ـ في العقد الثامن من القرن الميلادي الماضي ـ الذي شهد في مطلعه ولادة (الزي الموحد) ـ إلا في المدن الثلاث: بغداد والموصل والبصرة؛ ولاسيَّما بغداد، لكثرة ما فيها من مؤسسات أكاديمية، بوصفها عاصمة البلد. وفي أثناء ذلك كنّا نشاهد هؤلاء الطلبة يغدون ويروحون كالنوارس، بأزيائهم الموحدة الأنيقة المتناسقة،

وهم يتأبطون حافظات أوراق محاضراتهم وبعض كتبهم، لتزيدهم هيبة وجمالا..، فيجتاحنا شعورٌ بأنَّ هؤلاء الطلبة ليسوا كغيرهم، فنطيل النظر إليهم، ونعجب بهم، ونُمنِّي أنفسنا بأن نصبح يوما مثلهم، ومن ثمَّ نتساءل عمّا يميّزهم، فسرعان ما نكتشف أنَّ زيَّهم الموحد هو أهمُّ ما يميز هؤلاء الطلبة من غيرهم؛ حتّى صار هذا الزي هوية لهم، فنحلم بأن نجتاز الثانوية لنصل إلى الجامعة ونرتدي هذا الزي الجميل، ليشار إلينا بأنَّنا (طلبة جامعة)... وتدور الأيام وتمرُّ السنون، على عجلٍ، بأسرع ممّا كنّا نتوقع، فنصل إلى الجامعة ونلج أبوابها، فنرتدي (الزي الموحد)، ونتأبط تلك الحافظات والكتب، ونجدُّ ونجتهد، فنشعر بالزهو، بلا غرور، وكأنَّ كلَّ شيءٍ يولد من جديد، في جامعة تسمى بـ(جامعة الموصل)، لا يختلف اثنان في رصانة كلِّ شيءٍ فيها: أساتذتها، محاضراتها، مكتبتها الفخمة العامرة التي ليس كمثلها مكتبة في العراق، أبنيتها وقاعات الدرس فيها، مختبراتها، أندية طلبتها، حدائقها الغنّاء، أقسامها الداخلية، ملاعبها، مطاعمها...، فضلا عن (زيِّها الموحد) الذي لا يستطيع أيُّ طالب من طلبتها ـ أو من غير طلبتها ـ أن يلجَ أبوابها من دون أن يرتديه...؛ والطالب فيها، مثلما هي الحال في جامعاتنا كافة، في ذلك الزمن، يعرف ما له وما عليه، يُحبُّ درسه ويحترم أساتذته (الأساتذة)، ويحضر محاضراته ويتابعها، ومن ثمَّ يذهب إلى المكتبة ليستعير منها ما يحتاج إليه من المصادر والمراجع، ليقرأ ويكتب ويناقش...، وكثيرا ما يستأنف هذا النقاش، إذ يجتمع مع زملائه في القسم الداخلي، وقد يمتدُّ هذا النقاش إلى ساعات متأخرة من الليل. وأذكر أنَّنا في ليلة من ليالي الشتاء الموصلي القارص بقينا نناقش رأي النظـّام في (الصرفة)(1*) حتى مطلع الفجر !!!. وما أبعد اليوم عن البارحة، فغالبا ما نجد طالب اليوم ضائعا مضيَّعا، لا يعلمُ من أمره شيئا، يأتي إلى الكلية مضطربا، يجوب أروقتها من دون أن يشعر بما يشدُّه إليها، وكأنَّه كائنٌ غريبٌ عليها، وقد يأتي إلى الكلية ولا يدخل إلى قاعة الدرس، وإذا ما دخل فإنَّه يدخل جسدا...، وجلُّ همِّه أن يرتدي قميصا أحمرَ أو أصفرَ موشحا بعبارة كتبت بالانكليزية، من دون أن يعرف معناها !!!. وبعد، فقد يتهمني كثيرون، ممّن يقرأون مقالي هذا، بالمبالغة أو الغلو إذا ما قلت: إنَّ فكرة (الزي الموحد) ـ التي ولدت في مطلع سبعينات القرن الماضي ـ تعدُّ من الأفكار العظيمة التي لم تولد مصادفة؛ وإنَّما ولدت من رحم المعاناة العراقية التي كانت ولمّا تزل تقضُّ مضاجع ملايين العراقيين؛ لذا كان للزي الموحد أثرٌ فاعلٌ ومؤثرٌ في الارتقاء بالمستوى العلمي والأخلاقي لطلبة الجامعات والمعاهد العراقية لسنوات خلت. ولا ريبَ في أنَّ الذي اختار ألوان الزي الموحد كان على قدرٍ كبير من الذوق الرفيع. لذا علينا أن نسعى ـ ما استطعنا إلى ذلك سبيلا ـ إلى ترسيخ ثقافة (الزي الموحد) في عقول الطلبة ونفوسهم؛ بما يحملهم على الاقتناع بارتداء هذا الزي، لكي لا تتحول كلياتنا إلى معارض للأزياء المبتذلة وغير المحتشمة، فضلا عن أنَّ الفقرة التاسعة، من المادة الأولى، من تعليمات انضباط الطلبة، رقم (160) لسنة 2007م، تُلزم طلبتنا الأعزّاء بارتداء الزي الموحد.

 

أ. د. عقيل الخاقاني عميد كلية الآداب ـ جامعة الكوفة

 

 


 

(*) أبو إسحق إبراهيم بن سيّار النظّام (ت231هـ)، شيخ من شيوخ المعتزلة، وهو أستاذ الأديب العربي الكبير أبي عثمان عمرو بن بحر، المعروف بـ(الجاحظ). وللنظّام رأيٌ في (إعجاز القرآن)، يذهب فيه إلى أنَّ العرب كانوا قادرين على أن يأتوا بمثل القرآن، في بلاغته وحسن نظمه وتأليفه، ولكنَّ الله عزَّ وجل صرفهم عن ذلك، فسمِّي مذهبه هذا بـ( الصرفة).

Joomla Templates - by Joomlage.com