الإصلاح

 

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيد الانبياء والمرسلين ابي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين ائمة الحق وهدات الحق

بقلم : أ.م.د.عز الدين عبد الرسول المدني    معاون العميد للشؤون الادارية  

الحديث عن حصن الاسلام حاضرة العلم ومعقل الفكر ومدينة الاجتهاد والتطور الفقهي والاصولي والمعر في النجف الاشرف التي تشرفت باحتضان مرقد سيد الاوصياء الامام علي حديث ليس بالهين على الاطلاق لما

تمتلكه هذه المدينة المقدسة من عمق روحي وتاريخي وعلمي وحضور دائم في تنوير الفكر بقواعد الدين والمبادرة بالذب عن حياض الاسلام والدفاع عن المسلمين ولقد خرجت مدرسة النجف الكبرى الالوف من الاعلام والادباء والمفكرين والاحرار والمصلحين وكان ولازال لها دور قيادي على الساحة العربية والاسلامية.

ان النجف ساعدت على حفظ التراث العربي واللغة العربية كمثيلاتها في العالم العربي كالجامع الازهر في مصر والزيتونة في تونس فقد استمرت في تدريس العلوم الدينية وعلوم اللغة العربية في حلقات داخل المدارس والمساجد في الوقت الذي كان فبه الجهل والتخلف يرمى بظلاله على البلاد العربية فالنجف منذ عهد طويل تجاوز الالف عام اصبحت معهدا للدراسات الاسلامية العالية في حقوق الفقه والاصول والتفسير والفكر الاسلامي وتحوي مدينة العلم النجف اعظ المكتبات تضمه من نفائس المخطوطات وفي كافة المعارف والفنون وتدخل النجف اول مطبعة في الشرق لطبع الكتب وفي 29 آذار 1910 صدر العدد الاول من مجلة (العلم) لصاحبها المصلح هبة الدين الشهرستاني احد رواد النهضة الحديثة لنشر المعارف وتنوير العقل ويشد الرحال الى النجف من اقاصي الارض لطلب العلوم والاعتراف من معارفها من كافة اقطار العالم الاسلامي وكان لجامعة النجف دور كبير في الحفاظ على اللغة العربية والتراث الاسلامي من هجمة التتريك العثمانية وقد شهدت النجف في اواخر القرن التاسع عشر بداية قوية لحركة علمية ادبية مزدهرة كان للاسر العلمية في المدينة دور كبير في تشجيع حركة العلم والادب والاصدارات كال بحر العلوم وكاشف الغطاء والحكيم وراضي ولتحسس علماء الدين والطبقة النجفية المثقفة لاهمية تدريس العلوم الحديثة واللغات الاجنبية كالانجليزية والفرنسية فقد قرر جماعة من الاهالي في مطلع عام 1909 بتاسيس هيئة علمية لانشاء مدارس حديثة فكانت المدرسة (العلوية) و (المرتضوية) وقد لعبت هاتان المدرستان دورا هاما في حركة التجديد ونشر الافكار الحديثة. وهكذا فالنجف كما يقول عمها الامام المصلح محمد حسين كاشف الغطاء نفسه : (هي تلك الدايرة التي جعلت مركزها باب مدينة العلم فاستسقت من ينبوعه واستمدت من روحانيته وحلقت في سماء المعارف الدينية والاخلاقية والادبية حتى بلغت ما شاءت لها العناية) وكان للنجف ثقلها الروحي والديني وسبب هذه الطبيعة الاسلامية والعالمية للنجف تحتم عليها ان تحدد مواقفها من القضايا السياسية والاجتماعية التي تحدث في العالم الاسلامي فلابد لها اذن من اعطاء رايها فقد كان المسلمون يتوجهون الى النجف لاستطلاع رايها الذي اتصف بكونه قريبا من المحافظة والحيطة وتتخذ قرارها بترو حذر مما ابعدها عن الانحراف والانزلاق ان هذه المركزية التي حازتها النجف جعلت منها مثالا تتاثر به كثير من الامم الاسلامية فتجدها في عاداتها واخلاقها وتفكيرها تحذو حذف النجف التي كان لها الاثر  في نفوس تلك الامم ...فقد كان لاحرار النجف في هذه الفترة دور في نشر المبادى الدستورية والدعوة لها وكان ذلك نابعا من تاثير النخبة المثقفة في النجف بالافكار الاصلاحية والتحررية التي جاء بها رجال حركة الاصلاح ومنهم جمال الدين الافغاني  الذ لعب دورا في بث هذه الافكار خلال اقامته في النجف (1852-1856).. واصبحت النجف مركزا للسخط السياسي ضد العثمانين اذ لم تكن للسلطة العثمانية هيبة او اثر فعال عليها فالنجفيون اعتبرو الحكومة العثمانية ظالمة وغير شرعية لما تقوم به من ممارسات طائفية مقيتة وعنصرية وكانت السياسة الطائفية والاستبدادية التي تعامل بها العثمانيون سببا للنقمة على هذه السلطة.. ونتيجة لثقل النجف الديني ودورها الاصلاحي الكبير في العالم الاسلامي فما كانت من حركة الاتحاد والترقي التي قامت بالانقلاب على السلطان عبدالحميد والمجيء باخيه محمد رشاد الا ان ترسل مندوبا عنها الى النجف (ثريا بك) في عام 1908 واجتمع في مدرسة الخليلي باعلام النجف وزعمائها من جماعة المشروطة.. لاخذ الموافقة بتاييد النجف للاتحادين وما اطلقوه من مبادى (العدل والمساوة والاخاء) علما منهم بدور النجف في مناصرة الحركة الدستورية في ايران والاطاحة بالحكم الاستبدادي للشاه على يد المرجع الاصولي الشيخ كاظم الخراساني... فما كان من الحركة الاتحادية الا ان يفتحو فرعا لحركتهم في النجف بعد فرع العاصمة بغداد.. وبعد اتضاح مارب الاتحادين وما يبطلونه من شرور فاصبحت النجف في تلك الفترة تمور بالافكار القومية التحررية وتنشر التراث العربي وقامت النجف بادوار تحررية عملية لنصرة القضايا العربية والاسلامية من خلال فتاوى مقاومة المحتلين ونصرة المظلوميون فعندما احتلت ايطاليا ليبيا عام 1911 ووصول اخبار الغزو الى النجف تتابعت فتاوى علماء الدين المؤيدة للشعب الليبي في مقاومته للمحتلين وكانت الاستجابة لفتاوى العلماء سريعة من الناس لتلبية نداء الجهاد وفعلا تشكلت لتنفيذ ذلك لجان عدة للدفاع وجمع التبرعات وكان لدخول القوات البريطانية الى العراق عام 1914 الاثر الفعال في ظهور فتاوى المراجع بالتصدي للغزاة فتحشدت جحافل المجاهدين التي قادها المراجع انفسهم وقاتلوا القوات الغازية على محاور جبهات ثلاثة هي جهة شعبية بقيادة المرجع السيد محمد سعيد الحبوبي ومعاونه السيد الحكيم وجبهة القرنة بقيادة السيد مهدي الحيدري وشيخ الشريعة وجبهة الحويزة بقيادة الشيخ مهدي الخالصي والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ويصف الكاتب الشيخ علي الشرقي قضية الجهاد ضد الحلفاء قائلا:  (ان فكرة العاملين من المجاهدين فكرة وطنية والتضحية قضية عربية وليس دفاعا عن العثمانين وكان الاعتقاد السائد ان دولة العثمانين قد ولت  لابد من العمل بدقة وحذر حتى لانكون قد تخلصنا من الافاعي ونمنا فوق العقارب أي لا نكون قد تخلصنا من الاتراك وتورطنا مع الانكليز فاننا لانريد هؤلاء ولا اولئك بل نثبت الحق السليب ونحاول بكل مااوتينا ان نستهدف الظروف فنقدم القضية العربية الى العالم ولو بذراع واحدة).. ويؤكد الامام كاشف الغطاء قائلا: ( اذا كانت النجف هي العاصمة الروحية التي تلعب دورا كبيرا في مهمة الجهاد.. وتبعتها قيام اول حكومة وطنية في النجف ذات دستور ومجلس برلمان والتي تعتبر النواة الاولى للحكم الوطني ليس في العراق فحسب في العالم العربي الاسلامي.. وبعدها كانت ثورة النجف ضد المحتلين الانكليز.. ومن تبعها من قيام ثورة العشرين الكبرى التحررية من القوى الخارجية المستعمرة والتي فتحت الابواب على استقلال ليس فقط العراق بل ودول عربية اخرى تحررت من  نير المحتلين ... ولا زالت النجف قبلة المسلمين تحث على التضامن الاسلامي والالتزام بالوحدة الاسلامية ونبذ الجمود والتطرف والعنف وتناهض الاستبداد والقمع والتشدد على التحرر والاستقلال والسيادة وتاخذ بنهج الاجتهاد وتحرير العقل لمواكب للحداثة والعصر وتنشد التجديد والاصلاح 

Joomla Templates - by Joomlage.com