الخطابة عند الجاحظ

                                                                              

الخطابة عند الجاحظ

        الدكتور:حسن عبد المجيد عباس الشاعر

                                                                        `                                 الأستاذ المساعد في قسم اللغة العربية

                                                                                                                   كلية الآداب / جامعة الكوفة

 

الخطابة لغة مشتقة من ( خطب بالضم ، خطابة بالفتح ، صار خطيبا ) ، لسان العرب (خطب) : 1/360 ، وبما أنها لا تقوم إلا بشخص وموضوع وجمهور ، فلا يمكننا القول : إنها مشتقة من ( خطب ) الدال على المبالغة في الفعل ، لأن مراجعة الكلام إنما تكون بالخطاب والمخاطبة ، وهملا مصدران من الفعل الثلاثي المزيد بالألف ( فاعل ) الدال على المشاركة ، وهي أشهر دلالته ؛ وهي اصطلاحا تعني ( اسم   الكلام ، الذي يتكلم به الخطيب ) ، اللسان : 1/360.

 

ومن المسلم به أن القرآن الكريم كله خطاب للناس ، وفيه كثير من الآيات التي صرحت بذكر اللسان والبيان ، اللذين يجمعهما الخطيب ، لأنه بحاجة إلى سلامة جهازه النطقي ، وغايته الكشف بطريق الإقناع . وقد وردت لفظة ( خطاب ) في القرآن الكريم في موضعين في سورة واحدة منه هي سورة ص ، الأول قوله تعالى : {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ } سورة ص (20) ، وقد نوه الجاحظ (ت255ﻫ) بذكرها في كتابه ( البيان والتبيين ) وفصل القول فيها ، والثاني قوله تعالى : { وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ } سورة ص (23) . وقد وردت ألفاظ  أخرى ، نحو خاطبهم ، وتخاطبني ، وخطبك ، وخطبكم ... ولكنها لا يعنى بها معرفة الحكم والبصر بدقائق الأشياء كما هي الحال في الآية  الأولى .

وقد تحدث القرآن الكريم عن خطابة الأنبياء ورجاحة عقولهم ومنطقهم حال الكشف عن الخالق المبدع والدعوة إلى عبادته ، ووقوع المجادلة بينهم وبين المشركين ، وعرض الأدلة من لدن الأنبياء حتى يلزم المقابل الحجة ؛ وكانت حال الرسول`محمد ( صلى الله عليه وآله ) كذلك ، فهو لم يتوان في إقامتها ، فهي عنصر هام من عناصر الكشف والإقناع لديه ، وقد سمع عنه ( صلى الله عليه وآله ) قوله : ( كان شعيب خطيب الأنبياء ) ، البيان والتبيين : 1/201 ليبين للمسلمين أهميتها ودورها الكبيرين ، ويمكننا تلمس إكبار الرسول لها أنه كان له خطيبان هما ثابت بن شماس الأنصاري ، وروح بن زنباع ، وأنه في صغره أعجب بخطبة قس بن ساعدة الإيادي التي ألقاها في سوق عكاظ .

وكان العرب يجلون المبين ، ويحبون البيان ، فتراهم أشد فخرا ببيانهم وطول ألسنتهم ، ولعل قول ضمرة بن ضمرة في حضرة النعمان خير دليل على ذلك ، فقد كان للكلمة دورها الفاعل فيهم ، فكأنهم إذا تكلموا فعلوا . وعرفوا كثيرا من الخطب ، القصار والطوال ، وأطلقوا على ما أعجبهم مها بعض المسميات ، وكانت لا تلقى قعودا غير خطبة النكاح ، والخطيب لا يعبأ إذا خطب وهو على راحلته ، ولكنها على الرغم من ذلك لم تعد الأنموذج البياني الأول قبل دخول الإسلام الجزيرة العربية ، فقد كان الشعر يمثل الحياة البدائية البسيط التي تتغنى ببطولاتها وأمجادها ومغامراتها الغزلية والخطابة فوق ذلك ، وهو في رأي عمر ابن الخطاب ( علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه ) ، العقد الفريد : 5/281 ، ولما انتفت حاجة الشعر أصبحت الحاجة ماسة لقيام الخطابة ، وذلك بعد أن اتخذ الشعراء الشعر مكسبة ، فرحلوا إلى السوقة ، وتسرعوا إلى أعراض الناس ، فلما جاء الإسلام أراد أن يتحول بالمجتمع العربي من مجتمع بدوي إلى مجتمع مدني ، والمجتمع المدني يرفع من شأن الخطابة ، لأنها ابنة التمدن والتحضر .

وقد صور لنا الجاحظ أركان الخطابة الثلاثة التي لا تقوم إلا بها ، وهي الخطيب والموضوع  والجمهور ، وأعطى لكل واحد منها حقه ، وما عيوب الخطيب والموضوع إلا أصداء الجمهور حولهما والحال تنطبق على ما رغب فيهما ، والخطابة عند ه صنف من أصناف البلاغة التي تحدث عنها في قول الفارسي ، واليوناني ، والرومي ، والهندي ، وقد تكون البلاغة بعينها نحو ما هو معروف لدى اليونان ، ويقوي هذا القول دلالة لفظة rhetoric في المعاجم الإنجليزية ، ظ. المورد ، منير البعلبكي ، طبعة دار العلم ببيروت : 787 .

ولم يعن الجاحظ بالخطابة إلا الفن الشفاهي الذي يؤدى بالشعر إلى جانبها ، الذي عرفه العرب كما عرفته الأمم الأخرى : اليونان ، والهنود ، والفرس قبل أن تتحول إلى فن كتابي على يد الجاحظ ، وقد نزع الجاحظ نزعة غير عقلية لما صرح أن للعرب والفرس ولا لغيرهما نصيب منها على الرغم من أن الفرس لا يجتلبونها إلا بعد طول التفكر وكثرة المدارسة ، ثم يشرع بذم أرسطو صاحب كتاب ( الخطابة )  أو ( فن الخطابة ) ، ولا أعلم ما سبب ذلك ، فإن الذي جاء في كتابه دليل على قيام الخطابة فيهم ووصولها الذروة على يد خطبائهم .

وقد ذم الشعوبيين لما عابوا العرب بحملهم المخصرة في أثناء أداء الخطابة ، وقال بأنها ذات دور مهم في شحذ الذهن وتتابع الأفكار ، وصب جام غضبه عليهم لما جادلهم بالقرآن ونهج الرسول وكثير من   العرب ، ونحن نرفض ما دعا إليه ، ولا نعد حمل المخصرة تأهبا للخطبة والإطناب فيها ، وإنما جرت العادة بين العرب منذ القدم على حمل العصا لما في ذلك من منافع نحو منافع العمة .

ولم يكن الجاحظ مصيبا لما تعهد لنا بأنه سيضع الخطباء في طبقات ويقدم من قدمه الله ورسوله في الحسب والنسب ، لأنه عجز عن النظم والتبويب وتكلف ذكر كثير من الخطباء ، وهو لا يختص برجل دون رجل ، أو بجماعة دون جماعة ، فهو سياسي محنك لا يود عند ذكر أحدهم خسارة الآخر ، فنراه ذكر خطبا للرسول ، والخلفاء الراشدين ، وملوك بني أمية وبني العباس ، وكان يجلهم على غيرهم (  ملوك بني العباس) ، وبعض أفراد الأحزاب ( الطوائف والفرق ) التي كانت لها اليد في إذكاء الصراع بعد وفاة  الرسول ، وذكر عددا غير قليل من خطباء الجاهلية رجالا ونساء ، فقال إن لإياد وتميم مزايا لا تجتمع لغيرهم من حيث البيان ، وذكر أن لعبد القيس ومذحج وغطفان وهذيل وغيرهم   خطباء . ولم يهمل الجاحظ خطباء الأقطار : عمان ، واليمن ، والبحرين ، وخطباء الأنصار .

وحاول الجاحظ أن يبين لنا أنموذجه السامي في البيان ، وهو الرسول في خطبه القصار والطوال بوصفه جامعا للكلم ، فقال عنه في معرض خطبه الطوال : (( وقد شاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم وخطبه الطوال في المواسم الكبار ، ولم يطل التماسا للطول ، ولا رغبة في القدرة على الكثير ، ولكن المعاني إذا كثرت ، والوجوه إذا افتنت ، كثر عدد اللفظ ... )) ، البيان والتبيين  : 4/28. وهو عنده صاحب كلام حروف قليله ومعانيه كثيره لا ترى للصنعة والتكلف فيه مستقرا ، فالجاحظ بحسب ذلك يفضل كل ما هو مبين وإن قصر ، فالكلمة قد تكون أفضل من الخطبة والرسالة إذا بانت دلالتها بعد فصاحتها نحو قول رسول الله للأنصار : ( أما والله ما علمتكم إلا لتقلون عند الطمع ، وتكثرون عند الفزع ) ، البيان والتبيين  :2/16 ، 17 ، 19 . والإمام علي ( عليه السلام ) أخطب الخلفاء الراشدين عنده ، فقد شاد به إشادة رائعة لما أبان قولته المشهورة ( قيمة كل امرئ ما يحسن ) ، البيان والتبيين : 1/83 ، فعدلها بكل ما جاء به في  كتابه ، فهي غنية ولا حد لغناها .

لقد أسهب الجاحظ في ذكر عيوب الخطيب ومضمون خطبته وراعى في ذلك كله مدح الكلام وذم الصمت وغايته من ذلك البيان ثم التبيين ، أو الفهم ثم الإفهام ، وبعد أن نظر البيان أخذ يضرب الأمثلة ليبصر القارئ دوره ، فإن الخطيب بما يملكه من المؤهلات قد يستميل قلوب الجمهور إلى ما يريد ، فقد يقود إلى ثورة ، أو نصرة أحد وإن كان على باطل ، فإن الرسول الكريم محمد ( صلى الله عليه وآله ) بصر بما للبيان من قيمة فقال بحق عمرو بن الأهتم ( إن من البيان لسحرا ) ، البيان والتبيين : 1/52-53 .   

ولم تصدر الخطب عن العرب بحسب فهمه إلا بالإلهام ، فترى الألفاظ تنثال على الخطيب انثيالا من دون بذل أي جهد ، والملاحظ أن فكرة مثل هذه الفكرة لا يمكن أن يعقلها العاقلون فاللغة مكتسبة ، ولكنها لدى العرب لغة الفطرة التي فطروا عليها  ، وسليقتهم التي يتبادلون الحديث فيما بينهم بها كما نعتاد اليوم لغتنا الدارجة أو العامية فنحسنها .

 

 

 

 

 

 

 

 

Joomla Templates - by Joomlage.com